مروان وحيد شعبان
148
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
العالم العلوي بالنسبة إلى أهل الأرض فقد سوى أجرامها من مادتها الدخانية في يومين أي : زمنين كالزمنين اللذين خلق منهما جرم الأرض . ثم يقول : هذا التفصيل الذي يؤخذ من مجموع الآيات يتفق مع المختار عند علماء الكون في هذا العصر ، من أن المادة التي خلقت منها هذه الأجرام السماوية ، وهذه الأرض كانت كالدخان ويسمونها « السديم » « 1 » وكانت مادة واحدة رتقا ، ثم انفصل بعضها عن بعض ، ويصورون ذلك تصويرا مستنبطا مما عرفوا من سنن الخلق ، إذا صح كان بيانا لما أجمل في الآيات ، وإذا لم يصح كله أو بعضه لم يكن ناقصا لشيء منها ، فهم يقولون : إن تلك المادة السديمية كانت مؤلفة من أجزاء دقيقة متحركة ، وأنها قد تجمع بعضها ، وانجذب إلى بعض ، بمقتضى سنة الجاذبية العامة ، فكان منها كرة عظيمة تدور على محور نفسها ، وأن شدة الحركة أحدثت فيها اشتعالا فكانت ضياء ، أي نورا ذا حرارة ، وهذه الكرة الأولى من عالمنا هي التي نسميها الشمس ، ويقولون أيضا : إن الكواكب الدراري التابعة لهذه الشمس فيما نشاهد من نظام عالمنا هذا قد انفتقت من رتقها ، وانفصلت من جرمها وصارت تدور على محاورها مثلها ، ومنها أرضنا هذه فقد كانت مشتعلة مثلها . . . وبعد استطراد في ذكر المسائل العلمية يختم كلامه قائلا : كل ذلك تفصيل لخلق العوالم أطوارا بسنن ثابتة وتقدير منظم لم يكن منه شيء جزافا ، وقد أرشد الكتاب الحكيم إلى هذه الحقائق العامة الثابتة في نفسها وإن لم يثبت كل ما قالوه من فروعها ومسائلها ) « 2 » . إذا ، يتحتّم على الإنسان عند تفسيره لآية كونية أن يفسرها حسب ما يقتضيه حالها ، والجو القرآني الذي سيقت فيه ، وإلا فسيكون تفسيرها بعيدا عن هدفها ومقصدها . . . إن هذه اللغة ، لغة العلم هي الرابط المشترك بين الناس جميعا ، فلا يستطيع أحد أن ينكرها ، ومن أجل تحقيق أهداف الدعوة ونجاحها كان لا بد أن نسلك منهج العلم في زمن العلم ، ونخاطب الناس باللغة التي يفهمون واللهجة التي يعرفون . . .
--> ( 1 ) السدم ، nebulak ، وهي عبارة عن لطع مضيئة منتشرة في عدة أماكن من رقعة السماء على شكل سحب ، غازية التكوين . انظر : الموسوعة الفلكية ، زينب منصور ، عمان ، الأهلية للنشر ، الطبعة الأولى ، 2001 ، ص 21 ، وانظر : المحيط الكوني وأسراره ، نجيب زبيب ، بيروت ، دار الأمير ، الطبعة الأولى ، 1415 ه / 1994 ، ص 411 . ( 2 ) تفسير المنار ، رشيد رضا ، 8 / 446 - 447 .